سيد محمد طنطاوي

168

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ثم حكت أقوال المنافقين القبيحة ، وأفعالهم الذميمة ، وردت عليهم بما يفضحهم ، وبما يكشف عن سوء أخلاقهم . قال - تعالى - : أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْه مِنَ الْمَوْتِ ، فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّه أَعْمالَهُمْ ، وكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّه يَسِيراً . ثم مدحت المؤمنين الصادقين لوفائهم بعهودهم ، ولشجاعتهم في مواجهة أعدائهم . قال - سبحانه - : ولَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزابَ قالُوا : هذا ما وَعَدَنَا اللَّه ورَسُولُه ، وصَدَقَ اللَّه ورَسُولُه ، وما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وتَسْلِيماً . مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّه عَلَيْه فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَه ، ومِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ، وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا . وكما بدأت السورة حديثها عن غزوة الأحزاب بتذكير المؤمنين بنعم اللَّه عليهم - ختمته - أيضا - بهذا التذكير ، لكي يزدادوا شكرا له - عز وجل - . قال - تعالى - : ورَدَّ اللَّه الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً ، وكَفَى اللَّه الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ ، وكانَ اللَّه قَوِيًّا عَزِيزاً . وأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ ، وقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ، فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقاً . وأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ ودِيارَهُمْ وأَمْوالَهُمْ وأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها ، وكانَ اللَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً . ( و ) والخلاصة أن المتأمل في سورة الأحزاب ، يراها زاخرة بالأحكام الشرعية ، وبالآداب الاجتماعية ، وبالتوجيهات الربانية ، تارة من اللَّه - تعالى - لرسوله صلَّى اللَّه عليه وسلم وتارة لأزواجه صلَّى اللَّه عليه وسلم ، وتارة للمؤمنين . كما يراها تهتم اهتماما واضحا بتنظيم المجتمع الإسلامي تنظيما حكيما ، من شأنه أن يأخذ بيد المتبعين له إلى السعادة الدنيوية والأخروية . وصلَّى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .